تمغربيت:
بقلم الأستاذ: زكرياء التراب
قد لا تكمن أهمية مسودة القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية في عدد الفقرات التي تتضمنها، ولا في العبارات التي تبدو أكثر وضوحاً في تأييد المقترح المغربي، بل في التحول الذي قد تقترحه على مستوى مرجعية التسوية، وطبيعة الدور الأممي، والأدوات التي يمكن لمجلس الأمن استخدامها لدفع الأطراف نحو إنهاء نزاع طال أمده.
فالنص، كما ورد في النسخة المتداولة، لا يكتفي بتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة أو تكرار الدعوة التقليدية إلى حل سياسي؛ بل يبدو أنه يربط بين اعتماد الحكم الذاتي المغربي أساساً للتفاوض، وإعادة تشكيل البعثة، وتقليص مكونها العسكري، وتوسيع المشاورات السياسية، ووضع ملف اللاجئين تحت مقاربة أكثر ارتباطاً بالتسجيل والحلول الدائمة.
وهنا تحديداً قد تكمن أهمية المسودة: فهي تقترح تغييراً محتملاً في قواعد إدارة الملف، لا مجرد تمديد العمل بالقواعد القائمة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين مسودة يجري تداولها، ونص رسمي موزع على أعضاء مجلس الأمن، وقرار اعتمده المجلس. فالآثار القانونية النهائية لا تُستخلص من المسودة وحدها، بل من النص المعتمد وصياغته وسياقه. والتحليل الآتي ينطلق من النص الذي أُتيح، مع ضرورة مطابقة عباراته بالنسخة الرسمية، ولا سيما في المواضع التي تتوقف دلالتها على الفعل الإنجليزي الأصلي.
أولاً: من أساس للتفاوض إلى إطار قد يكون أكثر تحديداً للحل
لعل أهم ما يستوقف القارئ في المسودة هو الانتقال، وفق النص المتداول، من تثبيت المقترح المغربي أساساً للمفاوضات إلى وصفه بأنه «الأساس الوحيد» لمواصلة المناقشات، ثم اعتبار الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد القابل للتطبيق.
هذا ليس اختلافاً لغوياً عابراً. ففي الدبلوماسية متعددة الأطراف، قد يترك وصف مقترح بأنه «أساس للتفاوض» مجالاً أوسع لمقترحات موازية أو مرجعيات متنافسة. أما وصفه بأنه «الأساس الوحيد»، فيمكن أن يستهدف تضييق هذا المجال وتحديد الإطار الذي يُنتظر من الأطراف أن تتحرك داخله.
والفارق قد يكون أكثر وضوحاً حين تقترن هذه العبارة بوصف الحكم الذاتي بأنه الحل الوحيد القابل للتطبيق. عندئذ قد لا يعود الأمر مجرد اعتراف بجدية المقترح المغربي، بل قد يصبح توجهاً سياسياً يراد من خلاله نقل المفاوضات من سؤال طبيعة الحل إلى مناقشة شروطه وتفاصيله وضماناته.
وهذه، بالنسبة إلى المغرب، قد تكون أهم نقطة في المسودة. فبدلاً من استنزاف العملية السياسية في إعادة طرح الخيارات ذاتها، قد يصبح التركيز منصباً على تطوير مقترح الحكم الذاتي وتحديد ترتيباته المؤسسية والسياسية.
لكن الدقة القانونية تقتضي عدم الخلط بين تثبيت مرجعية التفاوض والحسم القضائي النهائي في السيادة. فمجلس الأمن جهاز سياسي دولي يتمتع بصلاحيات واسعة في مجال السلم والأمن الدوليين، وليس محكمة تصدر أحكاماً قضائية في النزاعات الإقليمية. ولذلك فإن قوة هذه الصياغة، إذا اعتُمدت، قد تكمن في أثرها على مسار التسوية ومرجعيتها، لا في تحويل القرار تلقائياً إلى حكم قضائي نهائي.
ثانياً: السيادة المغربية وتقرير المصير في ميزان الصياغة الأممية
تُبقي المسودة، وفق النص المنقول، على الإشارة إلى ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ تقرير المصير، بالتوازي مع تأكيد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الحل القابل للتطبيق.
ولا ينبغي قراءة هذا الجمع باعتباره تناقضاً بالضرورة. فمبدأ تقرير المصير لا يحدد، في كل حالة وبصورة آلية، آلية واحدة لا يمكن سواها لتطبيقه؛ بل يجب بحث كيفية تطبيقه في ضوء الإطار القانوني والسياسي الخاص بكل قضية، والقرارات الأممية ذات الصلة، وطبيعة التسوية المطروحة.
في المقابل، لا يجوز أيضاً الادعاء بأن مجرد وصف الحكم الذاتي بأنه الحل الوحيد القابل للتطبيق يلغي مبدأ تقرير المصير من القانون الدولي. فذلك يتجاوز ما تقوله الصياغة نفسها.
والحجة المغربية الأقوى هنا ليست في إنكار وجود المبدأ في المرجعية الأممية، بل في إبراز أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية قد يصبح، وفق اتجاه المسودة، الإطار الذي يُراد أن تتمحور حوله التسوية السياسية.
ويستدعي ذلك تذكّر رأي محكمة العدل الدولية الصادر سنة 1975. فقد أقر الرأي بوجود روابط قانونية تاريخية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض القبائل في الإقليم، لكنه لم يعتبر الأدلة المقدمة كافية لإثبات روابط سيادة إقليمية من النوع الذي يمنع تطبيق مبدأ تقرير المصير. ومن ثم، لا يصح التعامل مع الرأي باعتباره قد حسم المسألة لمصلحة أي قراءة سياسية معاصرة، كما لا يصح تجاهل التطورات اللاحقة في قرارات مجلس الأمن ومسار المفاوضات.
إن التطور الدبلوماسي الذي تستهدفه المسودة ينبغي قياسه بما قد يضيفه فعلياً إلى مرجعية التفاوض، لا بادعاء أنه ألغى بأثر رجعي كل ما سبق من مرجعيات قانونية.
ثالثاً: الديباجة ليست تفصيلاً، لكنها ليست منطوق القرار أيضاً
تكتسب الفقرات التمهيدية أهمية خاصة لأنها تكشف المنطلقات التي يريد واضعو المسودة أن تُقرأ الأحكام التنفيذية في ضوئها. غير أن أثرها لا يساوي تلقائياً أثر كل فقرة تنفيذية، ولا يجوز التعامل معها جميعاً باعتبارها التزامات مستقلة.
إعادة تأكيد القرار 2797 لسنة 2025 تعني، في المقام الأول، ربط المسودة بمسار أممي قائم، بدلاً من تقديمها كقطيعة كاملة مع المرجعية السابقة. أما الإشارة إلى تزايد دعم الدول الأعضاء للمقترح المغربي، فتسجل اتجاهاً دبلوماسياً يراد تثبيته في خلفية القرار، من دون أن تعني أن جميع الدول اعترفت بالسيادة المغربية أو أن المجلس أصدر اعترافاً جماعياً جديداً.
أما الإشادة بالدور الأمريكي، إلى جانب دعم الأمين العام ومبعوثه الشخصي، فتشير إلى صيغة تيسير تجمع بين النفوذ الدبلوماسي الأمريكي والغطاء المؤسسي للأمم المتحدة. ولا يعني ذلك بالضرورة استبدال المنظمة الدولية بوساطة أمريكية منفردة، بل قد يعزز الدور الأمريكي داخل مسار لا يزال المجلس يؤكد استمرار الدور القيادي للأمم المتحدة فيه.
والخلاصة أن الديباجة ترسم اتجاه القرار وتساعد على تفسيره، لكن الحسم في الالتزامات والاختصاصات والآثار العملية يبقى رهيناً بمنطوقه التنفيذي.
رابعاً: تغيير اسم البعثة واحتمال إنهاء ولاية حفظ السلام
يقترح النص تغيير اسم بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً بـ MINURSO، إلى اسم جديد هو MINUSO، ثم إنهاء ولاية حفظ السلام في 30 أبريل 2027، مع استمرار وجود أممي بصيغة بعثة سياسية خاصة حتى 31 أكتوبر 2027.
ومن الناحية الدبلوماسية، لا يمكن فصل تغيير الاسم عن التحول المقترح في طبيعة المهمة. فالاسم الحالي يرتبط صراحة بالاستفتاء، بينما قد يعكس الاسم المقترح ابتعاداً عن هذه الإشارة في التسمية المؤسسية. لكن الأثر القانوني لا ينتج من الاسم وحده؛ بل من الولاية التي ستُسند إلى البعثة الجديدة والمهام التي ستُحذف أو تُستحدث.
أما إنهاء ولاية حفظ السلام، فهو تطور مؤسسي محتمل أكثر أهمية. فالمسودة لا تقترح، بحسب النص المتاح، اختفاء الأمم المتحدة من الملف، وإنما الانتقال من حضور ذي مكون عسكري وأمني إلى حضور سياسي أكثر تركيزاً على دعم العملية التفاوضية.
ويملك مجلس الأمن صلاحية تعديل ولاية البعثات التي ينشئها أو يجددها، وفق الميثاق والقرارات ذات الصلة. غير أن إنهاء الولاية القائمة لا يعني أن جميع الالتزامات الأمنية قد انتهت، ولا أن التغيير المؤسسي يحسم الوضع النهائي للإقليم.
وهنا يبرز السؤال العملي الذي لا ينبغي تجاهله: كيف ستُحافظ البعثة الجديدة على الرصد الميداني، ودعم العملية السياسية، والعمل المتعلق بالألغام، واستمرارية التقارير، في ظل تقليص المكون العسكري؟
إن نجاح الانتقال لا يُقاس بإنهاء الولاية القديمة وحده، بل بمدى وضوح الولاية الجديدة وقدرتها على منع الفراغ المؤسسي أو الأمني.
خامسا: إعادة هيكلة المينورسو: تحول مؤسسي ذو أبعاد سياسية وأمنية
من أبرز ما يلفت الانتباه في المسودة المقترحة إعادة النظر في بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، بما يشمل تغيير تسميتها، وإنهاء ولاية حفظ السلام في التاريخ المحدد، ثم الانتقال إلى بعثة سياسية خاصة لفترة انتقالية. سياسياً، يمكن قراءة هذا التوجه باعتباره محاولة لنقل ثقل الحضور الأممي من نموذج مراقبة قائم منذ عقود إلى نموذج يركز على دعم التسوية السياسية. غير أن تغيير اسم البعثة أو طبيعة ولايتها لا يشكل، بذاته، حكماً قانونياً نهائياً بشأن السيادة المغربية، كما لا يعني أن الحكم الذاتي سيُطبق تلقائياً في الموعد المحدد لإنهاء الولاية العسكرية. فالمواعيد الواردة تخص البعثة الأممية، لا موعداً ملزماً لتنفيذ التسوية النهائية.
سادسا: تقليص المكون العسكري: لا يكفي أن يكون القرار سياسياً حتى يكون آمناً
إن خفض عدد الأفراد النظاميين بنسبة لا تقل عن 50 في المائة، وفق الجدول الزمني الوارد في النص المتداول، يمثل تحولاً عملياً يستحق دراسة دقيقة. فمن الناحية السياسية، قد يعكس تراجعاً عن تصور بقاء البعثة في صيغتها التقليدية إلى أجل غير محدد. لكن من الناحية الأمنية، يثير ذلك أسئلة مشروعة حول استمرار مراقبة وقف الأعمال العدائية، وقدرة الأمم المتحدة على توثيق الخروقات، والحفاظ على قنوات الاتصال الميدانية. ولا يصح اعتبار تقليص القوات مكسباً صافياً دون معرفة المهام التي ستبقى، والموارد التي ستُخصص للبعثة السياسية، والضمانات البديلة التي ستمنع نشوء فراغ في المراقبة. فالمصلحة المغربية لا تقتصر على ترجيح مقترح الحكم الذاتي، بل تشمل أيضاً صون الاستقرار ومنع أي تصعيد ميداني.
سابعا: مخيمات تندوف والتسجيل: ملف إنساني ذو آثار سياسية وقانونية
تكتسب الدعوة إلى معالجة مسألة التسجيل في مخيمات تندوف أهمية تتجاوز بعدها الإداري. فتوفر بيانات موثوقة بشأن السكان، بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، من شأنه أن يعزز الشفافية ويساعد على تخطيط الحلول الإنسانية الطوعية والدائمة. ومع ذلك، يجب عدم تحميل هذه الفقرة ما لا تقوله: فالتسجيل لا يحسم تلقائياً الجنسية أو الانتماء السياسي أو الوضع النهائي للإقليم، ولا يجوز افتراض أن مجرد إدراج مهلة زمنية سيؤدي حتماً إلى إنجاز العملية. القيمة الحقيقية لهذا البند تكمن في إخراج ملف ظل حساساً من دائرة الغموض إلى مسار أكثر وضوحاً ومساءلة، مع احترام القواعد الإنسانية والقانونية ذات الصلة.















![{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":["local"],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":false,"containsFTESticker":false}](https://tamaghrabit.com/wp-content/uploads/2024/12/Picsart_24-12-10_19-00-50-100.jpg)
![{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":["local"],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":false,"containsFTESticker":false}](https://tamaghrabit.com/wp-content/uploads/2024/12/Picsart_24-12-09_14-17-17-412.jpg)























